الشيخ محمد النهاوندي

27

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

غيره . وقال لبني إسرائيل : إن هردوس أمرني أن اقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، ولست أستطيع أن أعصيه . قالوا : أفعل ما أمرت ، فأمر أن يحفر خندقا ويذبحوا دوابّهم حتى سال الدم في العسكر ، فلمّا رأى هردوس ذلك أرسل إليه أن ارفع عنهم القتل ، فسلب عنهم الملك والرئاسة ، وضربت عليهم الذلة والمسكنة ، ثمّ أنصرف إلى بابل « 1 » . [ سورة الإسراء ( 17 ) : آية 8 ] عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ( 8 ) ثمّ رغّبهم اللّه تعالى في الإيمان والطاعة والأعمال الصالحة ، ورهّبهم عن الفساد والطّغيان بقوله : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ بعد الانتقام منكم إن بقيتم على الايمان والأعمال الصالحة ، أو إن تبتم توبة أخرى وكففتم عن العصيان والطّغيان وَإِنْ عُدْتُمْ مرة ثالثة إلى ما كنتم عليه من العصيان عُدْنا إلى الانتقام منكم بالقتل والأسر في الدنيا وَجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيراً ومحبسا ، أو مقرّا ومهادا في الآخرة ، ولا يمكنهم الخروج منها أبدا ، وكان من خبث ذاتهم أنّهم بعد ما رأوا من العقوبات وسمعوا من التهديد ، عادوا إلى العصيان بتكذيب النبي وكتمان علائمه ونعوته المذكورة في التوراة والإنجيل وتحريفهما ، فعاد اللّه عليهم بالتعذيب على أيدي المسلمين ، فقتلوا كثيرا منهم ، وأجلوا كثيرا ، وضرب اللّه على سائرهم الجزية والذلة إلى يوم القيامة . والقمّي قال : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ أي أعلمناهم ، ثمّ انقطعت مخاطبة بني إسرائيل ، وخاطب اللّه أمة محمّد فقال : لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ يعني فلانا وفلانا وأصحابهما ، ونقضهم العهد وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيراً يعني ما ادّعوه من الخلافة فَإِذا جاءَ وَعْدُ أُولاهُما يعني يوم الجمل بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ يعني أمير المؤمنين وأصحابه فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ أي طلبوكم وقتلوكم وَكانَ وَعْداً مَفْعُولًا يعني يتمّ ويكون ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ يعني لبني أمية على آل محمد وَأَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً من الحسن والحسين ابني علي عليه السّلام وأصحابهما [ فقتلوا الحسين بن عليّ ] وسبوا نساء آل محمّد فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ يعني القائم وأصحابه لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ يعني تسوّد وجوهكم وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وأصحابه وأمير المؤمنين عليه السّلام وَلِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيراً « 2 » أي يعلو عليكم فيقتلوكم .

--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 5 : 134 . ( 2 ) . الإسراء : 17 / 4 - 7 .